الشيخ الطبرسي
16
تفسير جوامع الجامع
شَيئاً من تلكَ الأفعالِ حتَّى يَصِحَّ ما ذَهبتُم إليهِ ؟ ثمَّ نَزَّهَ نفسَهُ عن أن يُشْرَكَ مَعَهُ غيرُهُ في العبَادَة . ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 41 ) قُلْ سِيرُواْ فِي الأْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ ( 42 ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذ يَصَّدَّعُونَ ( 43 ) مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحاً فَلأِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 ) لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ( 45 ) ) المُرادُ ب ( الْفَسَاد فِي البرِّ وَالبَحْرِ ) هو القَحْطُ وقلَّةُ الرَّيعِ في المزروعاتِ والبياعاتِ ( 1 ) ، ومحقُ البَرَكاتِ من كلِّ شيء ( بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) يعني : كُفَّارَ مكَّةَ ، يُريدُ : بسببِ كُفْرِهِم وشُؤْمِ مَعَاصِيهِم . وعن الحَسَنِ : أنَّ المُرادَ بالبحرِ مُدُنُ البحرِ وقُراهُ التي على شاطِئِهِ ( 2 ) . وعن عكرمةَ : أنَّ العَرَبَ تُسمِّي الأمْصارَ البحار ( 3 ) . ويجوزُ أن يُريدَ ظُهُور الشرِّ والمَعَاصي بكَسْبِ الناسِ ذلكَ ، والأوَّل أَوجَهُ ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ ) أي : وبَالَ بعض أَعمالِهِم في الدُنيا قَبل أن يُعاقِبَهُم بجَميعِها في الآخرةِ ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عمَّا هُم عليهِ . ثمَّ أَكَّدَ سبحانه تَسْبيبَ المَعَاصي لِغَضَبِ اللهِ ونكالِهِ ، حيث أَمَرَ بأن يَسِيرُوا في الأرْضِ ويَنْظُروا كَيْفَ أَهْلَكَ اللهُ الأُمَمَ بمعاصِيهِم وشِرْكِهِم . القَيِّمُ : المُستَقيمُ ، البَليغُ الاستقامةِ الذي لا يَتَأتَّى فيه عوجٌ ، وتعلَّق من اللهِ ب ( - يَأتيَ ) بمعنى : مِن قَبلِ أن يَأتي من اللهِ يَومٌ لا يرُدُّه أَحَدٌ ، كقولِهِ تَعالى :
--> ( 1 ) في نسخة : " الزراعات والصناعات " . ( 2 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشاف : ج 3 ص 482 . ( 3 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 10 ص 191 .